الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

376

نفحات الولاية

أيضاً ، وإن كان هذا التفسير لا ينسجم وبعض العبارات القادمة . ثم قال عليه السلام : « حتى إذا ارتوى من ماء آجن « 1 » واكتثر من غير طائل « 2 » ، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره » . أجل أنّ هذا الفرد الجاهل والضال المتشبه بالعالم الذي يتمتع برصيد علمي مشوه مفعم بالأخطاء وله روح ونفس ولعة بعالم المادة شغفة بزخارف الدنيا وزبرجها ، إنّما وضع نفسه في موضع لا يتصدره سوى نبي أو وصي ، كما ورد ذلك في الحديث المعروف عن الإمام علي عليه السلام حين خاطب شريح القاضي قائلًا : « يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّانبي أو وصي نبي أو شقي » « 3 » ، والأدهى من ذلك يزعم أنّ هنالك حقائق ، ولا غرو فهذه هي المزاعم والادعاءات الفارغة التي يتشدق بها كافة الجهال المتشبهين بالعلماء . والآن بعد أن تصدى هذا الجاهل للقضاء فما عساه أن يفعل ، قال الإمام عليه السلام بهذا الشأن : « فان نزلت به احدى المبهمات هيا لها حشوا رثامن رأيه ، ثم قطع به » . الحشو بمعنى الكلام الزائد الذي لا فائدة فيه ، والرث بمعنى الخلق القديم ضد الجديد ، فقوله عليه السلام : « حشوا رثامن رأيه » كأنّها إشارة إلى أنّه ليس من أهل الخلاقية والمبادرة ، كما ليس له ذهنية متفتحة ، وأخيراً لا يمكنه أن يجمع الأدلة المقيدة التي تعينه على اصدار الحكم . فليس له رصيد سوى حفنة من الأفكار الزائدة التي لا طائل من وراءها وهى رثة قديمة أكل الدهر عليها وشرب ، وهذا هو أسلوبه وديدنه ويقينه في الحكم . ومن الطبيعي أن لا تؤدي هذه المقدمات الباطلة والفاسدة إلى أي يقين ، فهو يخدع الناس متظاهراً لهم باليقين ، وعلى فرض كونه وصل إلى اليقين فإنه ليس معذوراً عند اللَّه لأنّه سلك الخطأ والتقصير في المقدمات . فالمشاكل القضائية كسائر المشاكل العلمية والاجتماعية والسياسية إنّما تعالج دائماً عن طريق دراسة المقدمات الصحيحة والمنطقية ؛ فذلك الذي ليست لديه أدنى معرفة بهذه المقدمات الصحيحة وقد تعلقت أفكاره بالمسائل الباطلة فانّه ليس

--> ( 1 ) « آجن » بمعنى الماء العفن . ( 2 ) « طائل » من مادة « طول » على وزن قول بمعنى الفائدة والامتداد ، ومن غير طائل تعني دون فائدة . ( 3 ) الوسائل الشيعة 17 / 37 ( واضح أن وصي النبي هنا تنطوي على مفهوم واسع يشمل العلماء العدول من أتباع النبي ) .